اختبار تورينغ: متى تصبح الآلة قادرة على خداع البشر؟

مصدر الصورة: snopes.com

تطور هائل في حقل الذكاء الاصطناعي يمكن الآلات من صناعة نسخ مختلفة من نفسها، بدأت الآلات على إثره  بالسعي لحكم الكرة الأرضية بعد اكتسابها لوعي تستطيع من خلاله أن تدرك ذاتها، الإنسان هنا هو العائق في طريقها بعدما كان المبرمج والمؤسس لتسخيرها لزيادة الرفاهية في حياته لتبدأ الآلات ثورتها في عام 2029، لحسن الحظ لم تتعدى هذه الأفكار عن كونها سيناريو هوليودي لازال بعيداً عن واقع الحال.

كثيراً ما تتصيد المنصات السينمائية أفكاراً علمية لازالت في مهدها وتضيف لها أبعاداً تشويقية، كانت بذرة ذلك الفيلم سؤال قد طرحه عالم الحاسوب آلان تورينغ، “هل الآلات قادرة على التفكير؟” كانت الغاية من ورائه معرفة ما إذا كانت الآلات قد توصلت لمستوى نستطيع القول عنده أنها أصبحت بذكاء البشر أو ذهبت إلى أبعد من ذلك متفوقةً على الجنس البشري.

بالرغم من غياب أرضية واضحة المعالم لما سيؤول إليه مستقبل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي في ذلك الوقت إلا أن تورينغ لم يكن الأول في طرح تلك الأفكار حيث كان هناك باعٌ فلسفي طويل في مناقشة الأمر سبقه إليه علماء آخرون كعالم الرياضيات والفيلسوف ديكارت الذي ناقش إمكانية صناعة كائن آلي يحاكي في عمله تصرفات الإنسان وتفكيره، وحتى يومنا الحاضر لازال جزءٌ من الموضوع يناقش فلسفياً وتبنى عليه خيالات علمية لم تعرف حدودها بعد.

 

اختبار تورينغ، هل الآلات قادرة على التفكير؟

اختبار تورينغ
مثال توضيحي عن اختبار تورينغ

 

لصعوبة تأطير المفاهيم المذكورة في السؤال كتعريف الآلة أو التفكير، عمد تورينغ لإنشاء لعبة المحاكاة التي تعتمد على وجود ثلاث أطراف امرأة ورجل يدعي كونه امرأة وحَكَم، يكون التواصل بينهم نصي لمنع أي عامل من التأثير على رأي الحكم، تكون مهمة الحكم طرح بعض الأسئلة وإنشاء حوار مع المشاركين (الرجل والمرأة) لتحديد أي منهما المرأة الحقيقة وأيهما المدعي.

الآن دعونا نتخيل وجود حاسوب مشارك بدل الرجل يحاكي أسلوب النساء ويحاول خداع الحكم لإثبات أنه امرأة، سيكون السؤال المطروح هنا هل سيتمكن الحاسوب من خداع الحكم بالدرجة نفسها التي استطاع بها الإنسان تحقيق ذلك، نتيجة الاختبار هي التي تحدد الإجابة على سؤال تورينغ. 

 

الغرفة الصينية، الرأي الآخر في اختبار تورينغ

شكل اختبار تورينغ ثورة فكرية حينها وكثرت النقاشات حول صحة الادعاء، لم ترق الفكرة للكثير ورفعت العديد من أصابع الانتقاد نحوه وكان أبرزها انتقاد الفيلسوف جون سورل الذي ناهض الفكرة بتجربة الغرفة الصينية، التي تنص على احتجاز شخص لا يجيد سوى اللغة الإنجليزية ضمن غرفة مع مجموعة من القواميس و الإرشادات المكتوبة على ورق.

إعلان

 يتم تمرير بعض الأسئلة من شخص صيني يقف خارج الغرفة، ليجيب عليها الشخص المحتجز بالاستعانة بالقواميس والإرشادات التي تساعده على تكوين الجواب باللغة الصينية  ثم يعاود إرسل الجواب عبر فتحة في الباب، ليتفاجأ الصيني بصحة الإجابة ما يدفع بتكوين فكرة لديه مفادها أن الشخص المحتجز قد فهم محتوى الرسائل ثم قام بالإجابة عليها.

اختبار تورينغ، الغرفة الصينية
مثال توضيحي للغرفة الصينية

لكن الحقيقة عكس ذلك حيث أن كل ما فعله الشخص هو اتباع الإرشادات ليصوغ الجواب الصحيح دون أدنى فهم لما هو مكتوب، بهذه النقطة يتجلى ادعاء سورل مشبهاً الآلة بالشخص المحتجز داخل الغرفة، تقوم الآلة بمعالجة المعلومات من خلال اتباع تعليمات أوتوماتيكية قد سبق وبرمجت على أساسها من دون فهم لهذه الإجراءات، ونتيجة لذلك يدعي سورل أن الآلة غير قادرة على مجاراة الذكاء البشري. 

 

طفل في الثالثة عشر من عمره كاد أن ينهي الجدال

نظام حاسوبي يحاكي عقل طفل أوكراني في الثالثة عشرة من عمره متحدثاً الإنجليزية كلغة ثانية، تم الإعلان بأنه الفائز بالمسابقة السنوية التي ابتدأت منذ تسعينيات القرن الماضي لتحسم نتائجها لصالح الأوكراني يوجين وذلك اعتماداً على توقع قد سبق وذكره تورينغ ضمن ورقته البحثية المتعلقة بالاختبار، مفاده أن الآلة ستكون قادرة بعد خمسين عاماً على خداع البشر في حال  تم الخلط بين الآلة والبشر بنسبة  أقل من 70% من المرات في محادثة مدتها خمس دقائق.

إعلان

لتشعل النتيجة جدالاً واسعاً في الأوساط العلمية، وبالنظر عن كثب إلى معطيات الاختبار نجد أن تحديد عمر صغير ليوجين بالإضافة لجعل الإنجليزية -لغة التحكيم- لغته الثانية سيغفر له الكثير من الأخطاء الوارد الوقوع فيها، تضاربت آراء العلماء فيما يخص النتيجة بين متفائل ومعارض، ما أسفر عن رهان مادي بين ray kurzweil الذي يؤكد أن الاختبار سيتم اجتيازه عند حلول عام 2029، أما mitch kapor كان يعتقد أن ذلك الإدعاء محض هراء.

مع نشأة الرهان تم فرض أسس وقواعد معينة لتجاوز الاختبار وتجاوزها حكماً يعني الفوز بالمكافأة المادية المحددة، تم تحديد بعض النقاط الاساسية التي سيجري على أساسها الرهان وذلك لعدم ذكر تورينغ نفسه لبعض النقاط الأساسية المتعلقة بالاختبار ويتم تعديلها بموافقة العالمين وفي حال عدم وجودهما يمكن تعديل القواعد بوجود لجنة تستند إلى النقاط التالية عند التعديل: 

أولاً: إذا ثبت أنها غير متناسقة مع بعضها.

ثانياً: إذا ثبت أنها غير قابلة للتطبيق

ثالثاً: إذا ثبت أنها غير عادلة

رابعاً: إذا لم تتماشى مع اختبار تورينغ الأصلي.

 

القواعد الأساسية لاختبار تورينغ بعد الرهان

تم الاتفاق بين العالمين المذكورين على وضع خطة عمل واضحة يجري على أساسها الاختبار، وذلك بوجود لجنة ثلاثية مكونة من ray kurzweil وmitch kapor وفي حال عدم وجودهما ينوب عنهم أشخاص يمثلون آرائهم أما بالنسبة للشخص الثالث يجب أن يحمل رأياً وسطياً بينهما يتم الاتفاق عليه من قبل العالمين، إذا لم يتوصلا إلى اتفاق بخصوصه يتم تعيين الشخص من قبل المؤسسة الراعية للاختبار

أما الحكام فهم ثلاث أشخاص بشريون يتم اختيارهم من قبل العلماء مهمتهم مقابلة المشاركين في الاختبار وتحديد النتائج، أما المشاركون فهم ثلاث أشخاص بشريون بدون وجود أي تدخل تكنولوجي كهاتف ذكي أو غيره، أما المشارك الرابع فهو عبارة عن حاسوب يمنع تدخل الإنسان بعمله أثناء المسابقة، يقوم كل حكم بمقابلة الأشخاص الأربعة على حدى  وطرح الأسئلة عن طريق الرسائل النصية ضمن غرف معزولة بدون تواصل فيزيائي، وليس على المشاركين تقديم أي إجابات صحيحة فيما يخص الأسئلة الموجهة لهم.

 في المرحلة الأولى من الاختبار على الحكم أن يقرر حسب نتائج المقابلات أي من المشاركين الأربعة هو الحاسوب، في حال قام حكمين على الأقل باختيار خاطئ فيكون الكمبيوتر تجاوز المرحلة الأولى، أما المرحلة الثانية تتطلب من الحكم إعطاء نسبة لإنسانية كل مشارك بمقياس من واحد إلى أربعة، إذا حصل الكمبيوتر على متوسط أكبر أو يساوي 2 من المشاركين يكون بذلك اجتاز المرحلة الثانية، وبالتالي يعلن تفوق الكمبيوتر وفوز ray kurzweil.

 

هل يمكن للذكاء الاصطناعي التفوق على الانسان فعلا؟

تغيرت الكثير من المفاهيم العلمية وطرأت العديد من التغييرات الجذرية في مجال الذكاء الاصطناعي التي جعلت من اختبار تورينغ غير مؤهل لاعتماده كمقياس لتحديد مستوى ذكاء الآلة مقارنةً بالبشر، دفعت عجلة التطور العلماء لإنشاء اختبارات أكثر دقة  لتطوير اختبار تورينغ بما يتناسب مع معطيات العصر.

مع جميع تلك التغييرات لازال من المبكر الحديث عن اختبار سيكون الحاسم بتحديد تفوق أي من البشر على الآلة أو العكس، أول ما يتبادر للذهن عند النقاش في مثل هذه الأمور إمكانية محاكاة عمل الدماغ البشري من قبل  المبرمجين والعلماء  قبل تحديد مفاهيم وتعاريف واضحة للذكاء البشري والوعي، فما زالت هذه الأمور عالقة في المجتمع العلمي ولم يتم التوصل لنتيجة نهائية بخصوصها.

 بالعودة لتجربة الغرفة الصينية ومقارنتها بما نملكه اليوم من معلومات حول تقنيات الذكاء الصنعي  لم تتمكن أي من الآلات على تجاوز تلك المرحلة فهي فعلاً قادرة على إعطاء نتائج صحيحة وربما أكثر دقة من ما قد يقدمه بشري، لكن ذلك ليس معياراً واضحاً يتم الاعتماد عليه، حيث أن هذه الآلة ليست قادرة على فهم تلك المخرجات.

المقارنة بين الآلة والبشر والذكاء الناتج عنهما هي واحدة من أكثر التساؤلات المثيرة للجدل والتي سرعان ما تتحول لمحتوى رائج عبر الويب مع التوصل لاختراعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في كل مرة ومصير البشرية المرتبط بتلك الاختراعات، المقارنة تلك ليست بالعادلة إطلاقاً -رأي شخصي- خصوصاً من ناحية المعلومات والبيانات وسرعة الإدخال والمعالجة المرتبطة بها.

مصدر kurzweilai britannica thinkautomation