تيك توك، أوهام وحقائق ما وراء الحظر الأمريكي

مصدر الصورة: adweek.com

تصعيد أميركي كبير ضد نظيره الصيني تجلى بفرض حظر على عدة تطبيقات وشركات صينية، ربما هي طبول تقرع معلنةً بداية حرب باردة جديدة بين الطرفين، من الساحة النووية صعوداً نحو الفضاء ليصبح المحور الأساسي في حرب اليوم تكنو اقتصادي نلمس أثره في جوانب مختلفة من الحياة المعاصرة، أما خلف الكواليس الوليمة الأساسية في تلك الحرب بيانات المستخدمين. 

تاريخ الصين الحافل بفضائح التجسس وتتبع مواطنيها متعطشةً لجمع بيانات المستخدمين كان حجة كافية لفرض الحظر على تطبيق تيك توك الصيني خوفاً على الأمن القومي الأمريكي حسب ادعاء ترامب، لكن من الواضح أن الرئيس الأمريكي عمى أعينه عن حقيقة التلاعب ببيانات المستخدمين لصالح حملته الانتخابية من قبل الشركة الأميركية فيسبوك.

 

فوبيا أمركية تجاه الصين أم حقيقية بينة؟

ليست المرة الأولى التي ترفع فيها أصابع الاتهام الأمريكية تجاه الصين بحجة سرقة البيانات والتجسس،  لا غرابة في ذلك حيث أن العداء بين القوتين عداء متجذر تسعى فيه كل منهما للسيطرة والتفوق السياسي والاقتصادي على الأخرى، وبالرغم من غياب الحجة والدليل الواضح من قبل الطرف الأمريكي على فعلة الصين المفترضة كانت الشكوك الأمريكية حول تطبيق تيك توك كأداة للتجسس وجمع البيانات الفيصل بفرض القرار.

ليخرج رئيس الـ FBI  داعماً ادعاء ترامب بالحديث عن وجود 5 آلاف قضية تجسس نصفها متعلقة بالصين بمعدل كل عشر ساعات تفتح قضية تجسس أحد أطرافها صيني، من الواضح أنه لا يوجد دلائل دامغة بيد الطرف الأميركي إنما أسلوب مكرر سبق واستخدمته لفرض الحظر على الشركة الصينية هواوي وإغلاق السفارة الصينية في هيوستن تحت ادعاء تحولها لمركز تجسس صيني على الولايات المتحدة، وغيرها من قرارات الحظر. 

 

ورقة اقتصادية تحاول أميركا لعبها

كالنار في الهشيم كان انتشار التطبيق الصيني تيك توك المملوك لشركة Bytedance ليحتل المراكز الأولى بين التطبيقات الأكثر استخداماً على الرغم من توقيت ظهوره القصير نسيباً، ومن الواضح أن جائحة كورونا كانت ذات أثر إيجابي على التطبيق لتزيد عدد مرات تحميله واستخدامه ما رفع من قيمته السوقية بشكل كبير متفوقاً على بعض تطبيقات السوشيال ميديا المشهورة.

وفقاً لتيك توك كان هناك أكثر من 90 مليون مستخدم نشط شهرياً في الولايات المتحدة وحدها في يوليو 2020، والذي يمثل نسبة كبيرة من مستخدمي التطبيق، ما يشكل أحد جوانب الضغط الاقتصادي على الصين،  تبرز هنا المخاوف الأمريكية من استحواذ الصينيين على السوق التكنولوجية خاصة بعد قيام مجموعة من المؤثرين على تيك توك بدعوة الجمهور لتسجيل بطاقات حضور مؤتمر ترامب الانتخابي من باب المزاح من دون النية للحضور.

الأمر الذي يبدو أنه زاد حنق ترامب من ذلك التطبيق الصيني الخارج عن سيطرته، ليقوم بتدعيم ادعاءاته المتمحورة حول تجسس الصين على بيانات المستخدمين و المجردة من الأدلة الملموسة من خلال التصريح بأن حظر التطبيق ما هو إلا طريقة لمعاقبة الصين على موقفها المتراخي تجاه فيروس كورونا.

صفعات أميركية متتالية على الوجه الصيني والتي على ما يبدو أنها ليست السنوات الأفضل للتطبيقات الصينية، وبالرغم من أن الهدف الرئيسي وراء الحظر الخوف على استحواذ الصين على كميات هائلة من البيانات منافسة بذلك الشركات الأميركية إلا أن الخسائر الاقتصادية ليست بالقليلة.

 

الأيدي الصينية الملطخة ببيانات المستخدمين تُرفع معترضة

أثار الحظر حفيظة الصين حيث صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “الولايات المتحدة تستخدم الأمن القومي كذريعة وتستخدم سلطة الدولة لقمع الشركات غير الأمريكية، هذه مجرد ممارسة للهيمنة، الصين تعارض ذلك بشدة”، أي أن الادعاءات الأمريكية ما هي إلا كلام فارغ ومجرد حجة لقمع الصين وحرمانها من فرص الصعود الاقتصادي والتكنولوجي فهم يوجهون تهم من دون أدلة.

أما مالك شركة Bytedance  المالكة لتطبيق تيك توك صرح بأن لا نية له بتقديم أي من بيانات المستخدمين للحكومة الصينية كما أن التطبيق محظور داخل الصين أي لا يوجد ذريعة من الحكومة للحصول على تلك البيانات، لكن قانون الأمن السيبراني The Cyber Security Law المطبق في الصين منذ 2017 والذي ينص على أحقية الدولة بالحصول على بيانات المستخدمين من الشركات لم يترك المجال لمالك تطبيق تيك توك بالتبرير بصدق مساعيه البعيدة عن جمع  البيانات وتهديد الأمن القومي الأمريكي.

 

بين أوراكل و وول مارت، صفقة ربما ترضي جميع الأطراف

بعد الكثير من الجدالات القائمة حول قرار الحظر الأمريكي لتطبيق تيك توك تمت الموافقة على بيع التطبيق لأحد الشركات الأميركية حيث بادرت مايكروسوفت بالبداية لشراء التطبيق من الشركة المالكة Bytedance لكنها قوبلت بالرفض من الأخيرة، لترسى الصفقة على شركة أوراكل Oracle لتكون الشريك الأمريكي حيث نالت موافقة الشركة المالكة لتطبيق تيك توك على الشراكة.

تم الاتفاق على استحواذ شركة Oracle وشركة Walmart على حصة من أسهم التطبيق رغم أن القرار هذا لم يكن مرضياً تماماً لبايت دانس إلا أنه أهون الأمرين بالنسبة لها، كما أكد الرئيس الأمريكي على عدم معارضته للصفقة حيث سيكون تيك توك مملوكاً لِشركة جديدة تدعى TikTok Global ومقرها في الولايات المتحدة.

ستكون حصة أوراكل 12.5% بينما حصة walmart تساوي 7.5% وال 80% المتبقية ستبقى باسم شركة بايت دانس، حيث ستُسخر أوراكل خدماتها السحابية لنقل بيانات المستخدمين لها وذلك بالطبع للحفاظ على الأمن القومي الأميركي، أو لنكون صريحين للحفاظ على السلطة الأميركية على بيانات المستخدمين.

 

كلمة ختامية

بعيداً عن التداعيات والدوافع السياسية والاقتصادية لحظر تطبيق تيك توك إلا أني أرى بأنه القرار الصائب وربما الوحيد الذي اتخذه ترامب منذ تسلمه للحكم، فلا نتائج تجنى من فديوهات تيك توك تلك التي تخطت التطبيق وباتت منتشرة على بقية مواقع التواصل الاجتماعي سوى الصداع، ربما لن تكون وجهة نظر مشابه لمؤثري تيك توك الذين سارعوا باحثين عن منصة أخرى تحتوي معجبيهم، أما بالنسبة للصراع الأميركي الصيني فلن يكون قرار حظر تيك توك المحطة الأخيرة والمخاوف الكبرى ستبقى دائماً معلقة على بيانات المستخدمين.