الإنترنت؛ من أبحاث ومشاريع عسكرية إلى سلعة تجارية

مصدر الصورة: nytimes.com

إطلاق الاتحاد السوفييتي أول قمر صناعي عرفته البشرية كان كفيلاً بإشعال فتيل حربٍ باردة محورها التفوق العلمي والتكنولوجي وبداية صراع قسم العالم إلى قطبين آنذاك، جن جنون الطرف الأمريكي ما دفعهم لدخول حلبة المنافسة، وبتسارع مستمر للاستحواذ على الفضاء من الطرفين تمخض عنه اختراع الإنترنت، ليكون في بدايته أحد وسائل التواصل العسكرية. 

سلاحٌ ذو حدين، بدأ كفقاعة اعتمدت عليه العديد من الشركات في بداية نشوئها لينتقل الكيان الاقتصادي إلى العالم الافتراضي بشكل كلي دون التفكير بوجود أساس في الواقع المادي ما جعل من انهيار هذه الشركات أمراً محتوماً، ولحسن الحظ كان ذلك درساً للشركات الكبرى المُشكِلة لوادي السيليكون والتي كان من المحتمل أن يشكل انهيارها كرة ثلج عملاقة متدحرجة من قمة جبل، لتبدأ باتخاذ خطوات مادية بالتوازي مع وجودها الافتراضي.

ما يقارب الثلاثين عاماً على اختراع الإنترنت قلبت العالم رأساً على عقب، صار فيها الإنترنت وحدةً أساسية في مختلف مجالات حياتنا المعاصرة الدراسية منها أو المجالات العلمية والعملية، وشكل طوق النجاة وملاذاً آمناً لاقتصاد كبرى الشركات في العالم بعد جائحة كورونا، بانتظار لقاح يعيد للعالم توازنه، حتى أصبحنا في وقت لا يسعنا فيه تخيل العالم بدون هذا الاختراع العظيم، كيف لا وقد ” أصبح الإنترنت ساحة البلدة لقرية الغد العالمية”.

 

نظرة موجزة عن ولادة العالم الافتراضي (الإنترنت)

كانت الشرارة الأولى لاختراع الإنترنت بعد إطلاق الاتحاد السوفييتي أول قمر صناعي حول الفضاء مثيراً قلق الأمريكان من تفوق السوفييت التكنولوجي، بوادر الحلم الأمريكي ظهرت في تلك الفترة، مع تضخيم الإعلام المحلي والمخاوف من التقدم السوفيتي، وبخطوات أمركية متسارعة نحو تأسيس الإنترنت وبتمويل من وزارة الدفاع الأمريكية  كانت البداية من شبكة ARPANET والتي تعتبر من أوائل الشبكات الناجحة ذات النطاق الواسع والتي تعتمد طريقة تبديل الرزم packet switching لتبادل البيانات، بالإضافة لكونها أول شبكة تعتمد استخدام بروتوكولات الإنترنت TCP/IP في عملها.

تطور مشروع شبكة ARPANET عبر الزمن

سبقت ARPAnet العديد من الخطط الغير منفذة بتأسيس شبكة عسكرية، وحتى بعد ظهورها كان العمل على خطة  مشروع سوفيتي يحمل اسم  OGAZ لإنشاء شبكة تربط جميع أجزاء الاتحاد السوفييتي بهدف رسم بداية جديدة تغير من واقع الاقتصاد السوفييتي للأفضل قيد الدراسة، لكن تلك الأحلام لم تكتمل ولم يرى المشروع النور حيث مات في مهده بسبب المشاكل المالية ومشاكل بالتنفيذ قد واجهها.

لم تكن أميركا الوحيدة التي تعمل على تطوير شبكة اتصالات (إنترنت) بل كانت عدة دول أخرى كبريطانيا وفرنسا تعمل بالتوازي مع أمريكا على إنشاء شبكات لنفس الهدف، الأمر الذي دفع إلى تطوير بروتوكولات التواصل البيني internetworking متيحاً ربط عدة شبكات منفصلة وجمعها لتعمل كشبكة واحدة.

ولادة الانترنت بشكله الحالي، تمخضت بعد المرور بثلاث مراحل انتقالية رافقها التوصل إلى الشبكات الحاسوبية والوصول الأول لاستخدام الانترنت تجارياً بعد اختراع الويب وهو حالياً ما نعمل عليه بعد قرابة 30 عاماً على تلك المرحلة، وحتى في شكله الحالي لا يزال قيد التطوير لتلافي المشاكل التي نواجهها في وقتنا المعاصر قدر الإمكان.

 

مزودات خدمة الإنترنت، والقفزة إلى عالم الإنترنت التجاري

كانت البداية منذ سبعينات القرن الماضي عند مزود Telenet، أول شكل لمزودات خدمة الإنترنت، لم يذع صيته آنذاك وذلك لأن الإنترنت نفسه لم يلقى القدر الكافي من الاهتمام في تلك الفترة ولم يكن ذي أهمية بين الأوساط الإعلامية والاجتماعية، في نهاية الثمانينات أقدمت شركات أخرى على تولي زمام المبادرة لتحمل على عاتقها توفير خدمة الإنترنت للعملاء، حيث كانت تكلفة الإنترنت وقتها باهظة الثمن (20$ في الشهر) ولم يتمكن الأشخاص العاديون من الإقدام على تجربة تلك الخدمة.

تركيب أحد الكابلات من قبل مزود محلي لخدمة الانترنت في وسط مدينة مانهاتن

في مطلع التسعينات ومع بزوغ الخيوط الأولى لولادة الانترنت بمفهومه الحالي باختراع شبكة الويب العالمية، تهافتت الأنظار على الوليمة المادية التي من الممكن جنيها هنا وبدأت نشأة الشركات المتخصصة “مزودات خدمة الإنترنت” تظهر تباعاًً، لتبدأ معها مسيرة ٣٠ عام أفسحت المجال لمنافسة أفضت بنا إلى تطوير آليات الاتصال ونقل البيانات إلى العملاء.

بدأت مراحل الانتقال في تقنيات الوصول إلى الإنترنت قبل إتاحتها للمستخدم العادي، حيث أننا كمستخدمين عاديين عاصرنا ثلاث مراحل أساسية لتغيير تقنيات الوصل تلك على التوالي(الاتصال الهاتفي، والاتصال المشترك الرقمي بمختلف أنواعه، والكابلات الضوئية) والتي تندرج ضمن تقنيات الوصول السلكي.

تنويه: استخدام الإنترنت عبر الشبكات اللاسلكية نتج بعد سلسلة من التطورات والتقنيات المكتشفة، تم تقسيم ذلك إلى عدة أجيال حيث بدأ ذلك فعلياً مع تقنية الجيل الثاني 2G والوصول مؤخراً إلى استخدام تقنية الجيل الخامس 5G.

 

الويب؛ وجه الإنترنت الحديث 

حوالي منتصف 1991 كانت بداية ارتسام وجهٍ جديد لشبكة الإنترنت العالمية، حيث أقدم بيرنرز لي على اختراع شبكة الويب العالمية World Wide Web كما أطلق عليها بعد عدة اقتراحات تسمية مرفوضة، وإنشاء أو متصفح يحمل اسم worldwideweb لتبدأ بذلك حقبة جديدة لاستخدام وعمل الإنترنت.

الواجهة الرسومية لمتصفح worldwideweb مستعرض الإنترنت الأول في التاريخ

إعلان

 بالرغم من أنها لم تلقى صدى إعلامي أو اهتمام بين الناس في تلك الفترة وذلك لجهل الناس آنذاك بماهية الإنترنت، ليتغير واقع الحال في تلك الفترة تدريجياً، ويبدأ الإنترنت بالانتشار ويتم العمل على تطوير أشكال وإصدارات أخرى من المتصفحات ويفتح الباب أمام مجالات منافسة جديدة.

ليس الأمر كما يعتقد الكثير تغييراً بماهية شبكات الإنترنت، بل خلق صيغة جديدة للتعامل واستخدام الشبكة العنكبوتية، بواسطة شبكة الويب العالمية WWW لتصبح بوابة العالم الافتراضي، حيث تم اختراع الويب بالاعتماد على عدة مكونات رئيسية:

  • HTML: وهي لغة ترميز تستخدم لبناء صفحات الويب التي تظهر أمامك عند تصفح الإنترنت، وبمعنى أدق نستطيع القول بأنها هيكل صفحة الويب.
  • URL: وهو عنوان الإنترنت أو ما يعرف بالرابط، والذي تستطيع بواسطته صفحات الإنترنت نقلك  لزيارة موقع ما على الإنترنت.
  • بروتوكول HTTP: أحد أجزاء عنوان URL يقوم بتحديد طريقة نقل وتشفير المعلومات أثناء استخدام الإنترنت.

 

كيف يعمل الإنترنت؟

لفهم الآلية التي يعمل من خلالها الإنترنت، يجب التمييز بين مكونين أساسيين لهذه الشبكة وهما:

  •  العتاد المادي: يتمثل بكل الأجهزة المسؤولة عن إرسال ونقل واستلام البيانات، كمثال على ذلك ضمن أي عملية اتصال ستكون العناصر الرئيسية ضمن العتاد المادي هنا هي الخادم وأجهزة النقل كالموجهات و جهاز العميل المتمثل بالكمبيوتر أو الهاتف الذكي أو غيرها.
  • البروتوكولات:  بإمكاننا أن ندعوا هذا المكون بشرطي المرور، وذلك لأن البروتوكولات تعمل على تنظيم عملية نقل البيانات هذه ضمن الشبكة وفق شروط محددة مسبقاً بحسب معايير كل بروتوكول على حدى.
آلية عمل الانترنت

يبدأ الأمر في لحظة استخدامك لأحد أجهزة الموبايل أو الحاسوب من المفترض أن تقوم بوصل جهازك إلى شبكة الإنترنت، عند طلب أحد المواقع الإلكترونية سيتم إرسال طلبك عبر الكابلات إلى مزود خدمة الإنترنت الخاص بك، ليقوم بدوره بتسليم المهمة لنظام DNS المسؤول عن تحديد النطاق الذي قمت بطلبه ثم توجيه طلبك إلى سيرفر الموقع.

من الممكن أن يكون الموقع ضمن خادم في أي بقعة على الأرض مهما كانت بعيدة أو قريبة إلى موقعك، ستعبر البيانات الكابلات مجتازةً مسافات على البر أو عبر البحار والمحيطات وربما تصادف في طريقها قرشاً جائعاً يحسب بياناتك وجبة له، في المرة القادمة عند حدوث انقطاع مفاجئ أو ضعف بشبكة الإنترنت عليك لوم ذلك القرش.

لحسن الحظ عند حدوث خلل في أحد الكابلات البحرية، ستتخذ البيانات مساراً آخر، ربما يسبب العطل بأحد المسارات ضغطاً على حركة البيانات وستلاحظ ذلك من انخفاض سرعة الإنترنت لديك، عند وصول طلبك إلى الموقع ضمن الخادم المطلوب سيتم إعادة طلبك مع البيانات المطلوبة ولكن سيتم تجزئتها ضمن رزم (Packet) وذلك لتسهيل وتسريع عملية نقلها، عند وصول تلك الرزم إلى جهازك ستجري إعادة تجميعها لتظهر لك البيانات بشكلها المطلوب سواء أكانت صورة أو مقطع فيديو أو غيرها.

بذلك يصبح الأمر جليّاً بأن آلية عمل الإنترنت لامركزية، ولا يمكن القول بأن شبكة الإنترنت مملوكة لأحد سواء دول أو شركات خاصة، لكن لنكون أكثر دقة فإن عمل الإنترنت ضمن نطاق الدولة الواحدة يصبح أقرب لكونه مركزياً كون حكومة كل بلد تعمل على التحكم وتوفير الاتصال بالإنترنت لمواطنيها حسب قوانينها.

 

خدمة عالمية وأسعار متفاوتة

لا شك بأن العتاد المستخدم لاستجرار الإنترنت يفوق قدرة الفرد على تحملها، كابلات بتجهيزات حمايةٍ عالية تجوب محيطات العالم، وأجهزة توجيه وعتاد الشبكة كاملاً، ما يجعل من دور مزودات خدمة الإنترنت مفصلاً ذي أهمية بالغة بإيصال الإنترنت إلى العملاء بسرعات وأسعار مناسبة، نعم خدمة مجانية لكنك بحاجة دفع تكاليف تقنيات التوصيل.

أسعار وسطية لخدمة الانترنت المنزلي حول العالم

لا يتوقف الأمر عند دفع الاشتراكات الشهرية للحصول على الإنترنت، بل التفاوت الملحوظ في أسعار خدمة عالمية كالانترنت بين دولة وأخرى مثيرٌ للتساؤلات، يعزى التفاوت هذا إلى اختلاف البنى التحتية لتوصيل الإنترنت بين دولة وأخرى حيث أن هناك دولاً لازالت تستخدم معدات عفا عليها الزمن، فكيف لها أن تتحمل تكاليف الصيانة؟ خصوصاً في حال مواجهة انهيار اقتصادي حاد أو عجز في الميزانية، أو عقوباتٍ خانقة.

أما عن تلك الأخبار التي غالباً ما تصادفها على مواقع التواصل الاجتماعي، عن شجرة صناعية تقوم ببث إنترنت مجاني أو تمثال في أحد الساحات العامة  وحتى حاويات القمامة الذكية، ما كل ذلك إلا أحد الطرق التسويقية من مزودات خدمة الإنترنت ويكون ذلك في الغالب بسرعات اتصال محدودة.

 

الإنترنت ومعالم السباق الفضائي الجديد

لم تنتهي الأقطاب المتنازعة من معركتها على استحواذ الفضاء بعد لتدخل الشركات الخاصة لاهثتاً إلى حلبة المنافسة على وليمة ماديةٍ جديدة، بدأت تظهر باستثمار الفضاء الخارجي لبث إنترنت عالمي، حقبة جديدة ووعودٌ مغرية ترافقت مع البدء بأول مشروع قيد التنفيذ لبث إنترنت فضائي بأسعار زهيدة ولجميع سكان الأرض بعد إخفاق خطة مايكروسوفت.

 باشرت سبيس إكس بإطلاق أقمارها الصناعية، إنترنت بسرعات عالية وأسعار مناسبة لتكون نقطة مفصلية أخرى في مسيرة تطور الإنترنت، لم تتوانى أمازون عن دخول مضمار السباق الفضائي معلنةً عن مشروعها الخاص لنفس الغاية، لتروي تلك المنافسة عطش المستخدمين نحو تطبيق عادل لمفهوم جودة المنتج مقابل السعر.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد