فقاعة الإنترنت: جشع زلزل أسهم شركات العالم الافتراضي

مصدر الصورة: telegraph.co.uk

لم يلبث النزاع العسكري حول الإنترنت من الإنتهاء حتى بدأت حقبة جديدة من الصراعات الاقتصادية، وليمةٌ دسمة كان الإنترنت وجبتها الرئيسية فتحت الباب أمام صراعٍ اقتصادي جديد، نَهَمَ العديد لجمع ثروة وتمخض عن ذلك نشأة مشاريع أساسها الإنترنت مغيباً الطمع عن عقولهم أهم المبادئ الاقتصادية، نموٌ سريع للشركات الناشئة شكل معه فقاعة مالية (فقاعة الإنترنت) سرعان ما انفجرت، مخلفةً وراءها العديد من الشركات التي أصبحت في طي النسيان، لتكون درساً آخر في تاريخ الاقتصاد. 

منذ جنون التوليب في العصر الذهبي الهولندي الذي دفع الجشعين لبيع ممتلكاتهم مقابل الحصول على بصلة زهرة التوليب والتي كانت تقدر بأثمانٍ باهظة، آملين بجمع ثروة من المتاجرة بها، لكن للأسف القواعد الاقتصادية التي تم تجاهلها وجهت صفعةً مالية قوية لكل من تجاوزها، لم تكن تلك القصة الوحيدة في التاريخ ولا حتى فقاعة الإنترنت هذه، بل كانت حوادث عديدة متشابهة والسبب ذاته. 

 

 ما هي فقاعة الإنترنت؟

عالم افتراضي خلق معه جيلاً يرى العالم من خلال أجهزة الحاسوب والإنترنت، ورغبةٌ متعطشة للاستحواذ على ثروة باستخدام تلك الأدوات إلى جانب خطط أعمال نصف مخبوزة، بعزيمة الشباب وطيشه بدأ العديد بالتسابق لبناء شركته الخاصة معتمداً على الإنترنت كقاعدة أساسية لينطلق منها، موقع يحمل اللاحقة .com وشعار رنان، أما خطة العمل لم تكن من أولويات البعض. 

لتكون الانطلاقة الأولى في منتصف تسعينات القرن الماضي من رجل أعمال حذق استغل خبرته في نظام المعاملات المالية بذكاء ليؤسس متجراً للكتب يطمح من خلاله لغزو العالم، لم يكن بيزوس الوحيد في الميدان حيث كانت الشركات حينها تظهر بوتيرة متسارعة، وعلى خطى آمازون بدأت ايباي هي الأخرى مشروعها لتأسيس متجر عالمي بفكر مختلف عن أمازون في تلك الفترة.

أول وصل لعملية شراء كتاب من متجر أمازون عند انطلاقته

تخمرت الأفكار والمشاريع المتجهة للعالم الرقمي في ذلك الوقت، وبدأ حينها ظهور غير منطقي لشركات متخصصة بمجالات مختلفة، في المقابل وعلى الصعيد التقني كانت ثورة الإنترنت وبريقها التجاري فكرة مناسبة لاستثمار رؤوس الأموال في مزودات الخدمة في ذلك الحين وتصاعدت الأرقام الجنونية لشركات الإنترنت في فترة قصيرة للغاية.

إعلان

في مطلع الألفية الجديدة صعدت القيمة السوقية لأسهم تلك الشركات بشكل جنوني، حيث كان من الكافي وجود اللاحقة .com في اسم الشركة ليتهافت المستثمرون على دفع الاموال لقاء الحصول على أسهم هذه الشركات، لدرجة أصبحت أسهمها تقدر بأثمانٍ بعيدة عن الواقع كل البعد، مع تحول قيمة الأسهم تلك إلى ملايين ورقية، بدأت الفقاعة حينها بأخذ شكلها الكامل وسرعان ما توقع كبار المحللون حينها انهيار من نوع آخر يفوق جميع الأزمات التي مرت سابقاً.

 

انفجار فقاعة الإنترنت، والعوامل التي أدت إلى ذلك

مع انصراف العديد نحو الاستثمار في تلك الشركات لدرجة أن البعض قام بالتخلي عن وظيفته ليلاحق سوق الأسهم المتعلق بشركات الإنترنت، ومع الارتفاع المتزايد لأسهمها بدأ مالكوها بالتغافل عن تطوير خدماتهم وتوسيع رقعة نشاطهم، متجاهلين في نفس الوقت المنافسة الشديدة التي نشأت بفعل تزايد عدد الشركات المستهدفة للشريحة نفسها من المستخدمين، الأرباح الطائلة في تلك الفترة كانت سبب كافي للتجاهل وهي بدورها كانت رأس الإبرة في قضية انفجار الفقاعة.

كثرت شركات الإنترنت بشكل عشوائي متجاوزين أهم القواعد الاقتصادية، وبدون وجود خطط واضحة لبناء قواعد صحيحة لوجودهم، ما جعل السوق في حالة توتر وعدم تنظيم، انتشر الهلع بين المستثمرين وبدأوا ببيع أسهمهم ما جعل من القيمة السوقية لتلك الشركات بانخفاض مستمر، ليدفع ذلك الهبوط الحاد بالشركات من القمة إلى أسفل الهاوية. 

 

إعلان

عوامل انفجار فقاعة الانترنت

تجاهل قواعد اقتصادية هامة: بدأت الشركات بطرح أسهمها للتداول طمعاً منها بالأرباح التي ستحصل عليها من البورصة متجاهلة تماماً تحقيق توازن اقتصادي من ناحية الأرباح والنفقات، ظنت تلك الشركات بالاعتماد على ثقتها بأرباح الأسهم التي ستحصلها لاحقاً أنها قادرة على سد نفقاتها، ولم تأبه بوضع خطة اقتصادية واضحة لذلك الأمر.

تقييم أسهم الشركات بشكل مبالغ به بعيداً عن الواقع: مع تضخيم إعلامي كبير بدأ التهافت من قبل العديد وراء تلك الجزرة التي ستحقق أحلام الكثيرين، حيث خضعت الأسهم في تلك الفترة لقوانين العرض والطلب، ونتيجة عدم وجود ضوابط لذلك والتداول بها من قبل “جيش من المتداولين” -عديمي الخبرة- نشأت حينها أرقام وهمية حول قيمة الأسهم تلك بعيداً عن المبدأ الأساسي في تعيين قيمتها بناءاً على أرباح الشركات.

تغافل الشركات عن تطوير خدماتهم وتمكين أساساتها: شكلت الأرباح المكتسبة من المضاربة بالأسهم عصابةً على أعين مالكي تلك الشركات، ما جعلهم في غفلة عن وضع خطط لزيادة خدماتهم وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات السوق، وفي الوقت عينه كانت بعض الشركات المنافسة تعمل على ذلك بخطوات واثقة لتبني قاعدة عملاء واسعة. 

 

أثر الفراشة في نجاة وانهيار شركات الإنترنت

كانت الأنظار آنذاك متركزة بالتحديق نحو الزخات المتمثلة بشُهب الأرباح المجنية من المضاربة في سوق الأسهم حالمين بجني ثروة خيالية، ما جعل المدراء التنفيذيين يرتكبون خطوات وسياسات خاطئة دون وجود عقول اقتصادية نافذة في الشركات الناشئة.

توازياً مع تلك التخبطات في الأسواق، كانت الشركات الكبرى تسير نحو خطط توسعية ومالية مجدية، سرعة البديهة كانت عاملاً في انقاذها مع نرد يلاعب حظوظها في البقاء، لم تكن تلك الشركات حينها أكثر من ناجية وذلك لما تكبدته من خسائر بسبب انفجار الفقاعة، أدركت الشركات التي اجتازت الفقاعة خطورة النتائج الكارثية لخططها السابقة ما جعلها تعيد صياغة استراتيجياتها على أساس قواعد اقتصادية مدروسة.

 

أمثلة عن الشركات الناجية

 

شركة amazon

لم تكن خطة عمل امازون قائمة فقط على قياس نسبة الأرباح جراء استثمار أسهمها، بل ركزت على توسيع خطة عملها وتنويع منتجاتها حيث قامت بتوصيل الأقراص الليزرية إلى جانب الكتب والعديد من الأجهزة الإلكترونية، بالإضافة للخدمات السحابية التي تتيح للمستخدمين بناء مختلف الأنظمة من خلالها، أما النقطة المفصلية التي لعبت الدور الأساسي في نجاة أمازون هي بيع سندات مالية بقيمة عالية قبل شهر واحد فقط من هبوط مؤشرات الأسهم المتعلقة بشركات الإنترنت، حيث اعتبرت تلك الخطوة المنقذة لأمازون.

 

شركة ebay

لم تكن خطة ebay واضحة منذ البداية، حيث بدأت بالعمل على متجر يبيع كل شيء وأي شيء يخطر في بالك، كتلك الأسواق الشعبية المنتشرة في بعض البلدان، ومن أول الأشياء التي تم بيعها على الموقع كان مؤشراً ليزرياً مكسور، نهضت الشركة بفترة قياسية بالعمل على تعزيز مكانتها وقوتها الاقتصادية، تغيرت لاحقاً سياسة البيع في المتجر ليصبح معظم ما تجده ضمن المتجر جديد تماماً. 

 

شركة Cisco Systems

لعبت شركة cisco دوراً مفصلياً بنشر تقنية الإنترنت في ذلك الوقت من خلال إنتاجها لأجهزة المودم والتوجيه، حيث تضخمت قيمتها السوقية بشكل كبير لم تشهده بقية الشركات في ذلك الوقت، وحتى وقتنا الحاضر ما زالت الشركة تحصد مكانة هامة بين الشركات العالمية. 

 

أمثلة عن الشركات المنهارة

 

شركة Pets.com

لم تكن pets الشركة الوحيدة التي سعت لبناء متجر حيوانات إلكتروني، حيث كان الاعتقاد الرائج حينها أن اقتناء حيوان أليف أحد أولويات الأسر خلال فترة الركود الاقتصادي، حاولت pets جاهدة الاستحواذ على متجر الحيوانات الإلكتروني بتخفيض تكاليف خدماتها للعملاء، لكن المصاريف الكبيرة المبذولة على شحن الحيوانات والأطعمة دفعت بالخطة للفشل وإفلاس الشركة، حيث كان انفجار الفقاعة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. 

 

شركة eXcite

اكتسب eXcite أهميته كأحد أكثر محركات البحث شعبية  في ذلك الوقت بعد ياهو وأول من قدم خدمات البريد الإلكتروني المجانية، حاول مؤسس المشروع أن يبيع المشروع لجوجل ليتفرغ لمشاريعه الدراسية لكن الصفقة لم تكتمل، مع علو نجم جوجل كأهم محرك بحث كان eXcite غارقاً بالديون وقد بدأ بالانهيار.

 

شركة Webvan

بدأ WebVan بآلية عمل جدية وخطوات واثقة كمتجر توصيل إلكتروني ليبدأ بكسب بعض العملاء الدائمين، لكن للأسف لم تكن لديه خطة توسع مدروسة بل دفعته البداية المشجعة لتوسع عشوائي بالإضافة للإسراف بالمصاريف ما جعله يقع في ورطة مالية توقفه عاجزاً عن سداد ديونه بعد انفجار فقاعة الإنترنت ما أدى لانهياره.

 

صدى انفجار الفقاعة; آثارها الاقتصادية وعلاقتها بتاريخ اليوم

زلزال اقتصادي غير متوقع أودى بالعديد من الشركات إلى الانهيار المالي، تتسارع الشركات للملمة حطامها وكبش الفداء دائماً في ظل هذه الأزمات هم الموظفون الذين يخسرون وظائفهم تباعاً بسبب فقدان الشركات القدرة على تحمل أعبائهم المادية، يرتفع معدل البطالة وتدخل الدولة في حالة كساد اقتصادي.

لكن بالنظر إلى نصف الكأس الممتلئ حدوث الفقاعة عند بداية تشكل عالم الأعمال عبر الإنترنت جعل من دوي الانفجار أقل وقعاً بالمقارنة مع حصوله في وقتنا الحاضر بعدما تجذر وجود العديد من الشركات باعتمادها على الإنترنت، عقد تسعينيات القرن الماضي وفقاعته مهدت لنشأة امبراطوريات ضخمة تقاس بميزانيات دول وهي حالياً المُشكِّلة لنخبة شركات التكنولوجيا وغيرها في العصر الراهن.

بعد عشرين عام على الكارثة نشأ جيل رقمي جديد مع انتشار استخدام الهواتف الذكية وبخطط أعمال نصف مخبوزة تبدأ بشركات ناشئة، ربما أول ما يمكن أن يتبادر للذهن عند إدراك هذه المعطيات فقاعة إنترنت معاصرة، خاصة مع التوجه الكبير للاعتماد على الإنترنت في مختلف مجالات الأعمال إثر جائحة كورونا الأخيرة.

لحسن الحظ من غير المتوقع أن يعيد التاريخ نفسه بنفس القساوة، فقاعات مشابهة كانت أقرب للحدوث في أزمنة مختلفة في العقد الماضي على فترات في 2017/ 2018، واليوم ومع ظهور بوادر نشأة فقاعة جديدة إلا أن الأرقام الحالية بعيدة كل البعد عن طفرة التسعينات تلك مع بريق أمل بعدم تكرار ذلك في العصر الحالي.