تقنية التزييف العميق (Deepfake): التلاعب بالحقائق وتزييفها بسهولة تامة

تشارلي شابلن يقوم بتأدية دور مستر بن، ربما يبدو الأمر مضحكاً وغير قابل للتصديق ولا يتعدى كونه مزحة التقاء كوميديين من زمنين مختلفين أحدهما توفي بالفعل، لكن ماذا لو رأيت مقطع فيديو يثبت ذلك؟  نعم بات ذلك ممكناً في عصر بدأ الذكاء الاصطناعي بالسيطرة عليه حيث أنك قادر الآن على تحقيق ذلك بعد الحصول على مجموعة بيانات من إنتاج الفيديو الذي ترغب به بكل سهولة باستخدام تطبيقات تقنية DeepFake المتوفرة في متناول الجميع. 

تعد تقنية DeepFake أو التزييف العميق أحد تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستخدم التعلم العميق والذي سبق وتحدثنا عنه في مقال سابق، تتيح لك إجراء التعديلات أو حتى صناعة الفيديوهات التي ترغب بها بالطريقة التي تريدها جاعلاً الشخصيات ضمن الفيديو تتصرف وتتحدث كما ترغب متحكماً بتغيير التفاصيل كيفما تشاء.

ما جعل من تقنية التزييف العميق مصدر رعب للكثير بعملية تعديل بسيطة بواسطة أحد تطبيقات DeepFake أصبح من الممكن تقديم إثباتات ضد شخص ما تبدو وكأنها حقيقية لتعمل على تشويه سمعته أو تخريب عمله، تستطيع التفكير بالسياسيين والحملات الانتخابية على سبيل المثال وكيف من الممكن أن يكون لأحد الفيديوهات المعدلة بواسطة تقنية DeepFake أثر مدمر عليهم.

 

ماهي تقنية DeepFake

كما ذكرنا سابقاً نستطيع من خلال تطبيقات DeepFake تعديل الفيديوهات بالطريقة التي نرغب حيث يعتمد التزييف العميق على تقنية التعلم العميق في التعديل وذلك من خلال Generative Adversarial Networks أو شبكة GAN والتي تعتمد على نوعين من الشبكات تعمل كل منهما جنباً إلى جنب لتحليل وتصنيف البيانات وإعطاء نتائج مشابهة لتلك الحقيقة المقدمة لها.

تدعى الشبكة الأولى المولد (Generator) والتي تقوم بتوليد عينة عشوائية من البيانات بالاستناد لمجموعة من الاحتمالات المحددة وذلك وفقاً للبيانات التي نقوم بتقديمها لها لتقوم بتصنيفها وتحليلها وحفظها حيث بعد تعرفها عليها تصبح فيما بعد قادرة على تمييزها.

إعلان

أما الشبكة الأخرى تدعى بالمميز (Discriminator) والتي تقوم بتمييز العينات الحقيقة التي تأتي من البيانات المقدمة للشبكة بغرض تدريب الخوارزميات، ومقارنتها مع العينات المنتجة من قبل شبكة المولد.

حيث تقوم شبكة المولد بمحاولة خداع شبكة المميز عن طريق إنتاج بيانات عشوائية أما شبكة المميز تحاول باستمرار الكشف عن زيف البيانات التي تقدمها شبكة المولد، حيث تمكن هذه الآلية تقنية التزييف العميق من تطوير الخوارزميات نفسها بنفسها وإنتاج مخرجات متشابهة وتكاد تكون مطابقة للحقيقة حيث أن مع المزيد من البيانات تصبح مهمة شبكة المميز أكثر صعوبة.

 

إعلان

المراحل التي يمر بها إنتاج فيديوهات تقنية DeepFake

لتوضيح الخطوات دعونا نستعين بالمثال الذي طرحناه في مقدمة المقال، لنفترض بأننا نرغب بوضع ملامح تشابلن على أحد مقاطع مستر بن ليبدو وكأنه هو من يقوم بتمثيل المقطع، بدايةً سنقوم بتجميع أكبر عدد ممكن من صور تشارلي شابلن ثم نقوم بتزويد شبكة المميز بها لتقوم بالتدرب عليها من خلال تحليلها والاحتفاظ بكامل البيانات المتعلقة بالشخص لتصبح أكثر قدرة على التعرف وتمييز جميع الصور المتعلقة بتشارلي شابلن فيما بعد.

في الخطوة الثانية نقوم بتدريب شبكة المولد والتي تعتبر شبكة عصبية تستخدم لترميز البيانات وذلك من خلال تعلم الخصائص المميزة للصور والتي يتم تزويدها بها حيث تقوم بتحليلها وتحويل الصور إلى بيانات رقمية وقيم منطقية ثم تعمل على تحويل هذه البيانات وإعادة إنتاج الصور من جديد.

بعد ذلك نقوم بإحضار مقطع الفيديو الذي نرغب بتعديله لمستر بن ثم نقوم بتجزئته إلى صور كل لقطة على حدى ضمن صورة ونقوم بتغذية شبكة المولد الذي سبق وأضفنا له صور مستر بن في البداية، ليقوم بعد ذلك بتحليلها وإعادة تشكيل اللقطات المأخوذة من فيلم لمستر بن بواسطة خصائص تشارلي شابلن.

ثم تعمل شبكة المولد على إعادة تشكيل عدد من الصور بالاعتماد على البيانات المقدمة لها سابقاً لكن تبقى في هذه المرحلة الصورة الناتجة عن دمج ملامح مستر بن مع ملامح تشابلن مشوهة وتحتوي على الكثير من الأخطاء وتحتاج للتحسين.

وهنا يأتي دور شبكة المميز التي تقوم بمقارنة خرج المولد مع البيانات الحقيقية وإكتشاف التزييف من خلال تصنيف مجموعة الصور الناتجة عن المولد إلى صور مطابقة للحقيقة وصور مزيفة مع مرور الوقت وتزويد الشبكة بالبيانات تصبح أكثر قدرة على إنتاج صور مطابقة للحقيقة ليصبح من الصعب على شبكة المميز التفريق بين الحقيقة والتزييف.

أخيراً بعد مرور الصور بالمراحل السابقة نقوم بإعادة تجميع لقطات فيديو مستر بن بعد دمج ملامحه مع ملامح تشارلي شابلن لنقوم بإنتاج فيديو جديد يظهر من خلاله تشارلي تشابلن يقوم بأحد أدوار مستر بن.

 

نتائج مبهرة بدون أدنى جهد

في الوقت الذي كان يتطلب به إعادة إنتاج وتعديل مقاطع الفيديو حاسب ذو عتاد قوي ومهارة بالتعديل والكثير من وقت الفراغ أصبح الآن بمقدورك القيام بهذه الأمور بمنتهى البساطة من خلال أي تطبيق Deepfake بكل سهولة حتى لو لم تمتلك أي خبرة سابقة بالتعديل على المحتوى حيث أن البرنامج سيقوم بكل ما تطلبه منه بعد إدخال البيانات اللازمة، ولن تحتاج أن تكون خبير تزييف عميق.

وكلما قدمت كمية أكبر من البيانات كلما حصلت على نتائج أكثر دقة ومقاربة للحقيقة، الأمر الذي يفسر كون المشاهير والسياسيين هم الأكثر عرضة للتزييف حيث أنك تستطيع بكل سهولة الحصول على كمية ضخمة من البيانات حولهم لتدريب الخوارزميات على أكمل وجه.

 

انتشار ساحق يحققه تطبيق Zao في التزييف العميق

تم إنشاء تطبيق Zao بغرض إنشاء وتعديل الفيديوهات حيث تستطيع من خلاله دمج صورك مع أحد المقاطع لأحد المشاهير المفضلين لديك، ولن يتطلب منك ذلك أي جهد أو مهارة تذكر كل ما سيطلبه منك البرنامج هو الفيديو المراد التعديل عليه ومجموعة مختلفة من صورك حين إغلاق وفتح عينيك وفمك لتحصل على نتائج أكثر دقة.

لكن عليك الحذر في حال كانت خصوصيتك من الأمور الهامة بالنسبة لك على شبكة الإنترنت حيث أن سياسة الخصوصية تتضمن شرطاً بأن جميع البيانات التي يرفعها المستخدم للتطبيق ستكون بمثابة ترخيص مجاني وغير قابل للإلغاء يسمح للمطور باستخدامها كيفما يشاء وللغاية التي يرغب بها.

لكن بعد موجة من الاحتجاجات التي طالت الشركة المطورة للتطبيق تم التراجع عن هذا الشرط والاكتفاء بالتصريح على أن هذه البيانات سيتم استخدامها بغرض تحسين عمل التطبيق فقط بالإضافة إلى أن حذف المستخدم لهذه البيانات تعني حذفها من خوادم التطبيق حسب تصريح الشركة المطورة.

 

مخاوف تثيرها تقنية DeepFake 

يفتح DeepFake الباب حول العديد من التساؤلات والمخاوف خاصة أنها تقنية رخيصة ومتوفرة بشكل مجاني في متناول الجميع، ولا تحتاج لخبراء تزييف عميق لاستخدامها ما يجعل من الأمر أكثر صعوبة وتعقيداً بالسيطرة عليها خاصة في ظل وجود منصات التواصل الاجتماعي التي تجعل من انتشار مثل هكذا فيديوهات كالنار في الهشيم.

بالرغم من أن تقنية DeepFake لا زالت جديدة نسبياً إلا أن خوارزميات التعلم العميق سريعة التطور، وذلك بفضل وجود كميات بيانات ضخمة تستطيع تدريب خوارزمياتها من خلالها ذلك ما يعني بأن السياسيين والمشاهير لن يكونوا وحدهم المستهدفين في هذه التقنية وسيتعدى ذلك إلى المستخدمين العاديين.

الأمر الذي سيترافق معه الكثير من المشاكل والمتاعب نتيجة صعوبة تمييز الفيديوهات الحقيقية عن فيديوهات  DeepFake، فمن الممكن أن يتم إنكار تصريحات قد أدلى بها بعض السياسيين أو الفنانين أو غيرهم بحجة أنه مقطع تزييف عميق، أو حصول العكس من ذلك وتزييف مقاطع فيديو للبعض.

تبدو الفكرة مرعبة حقاً حيث أن الفيديوهات لن تعود مصدراً موثوق نستطيع تداوله لإثبات شيء ما فبكل سهولة من الممكن أن ترى نفسك تقول أو تفعل شيء لم تقم به من قبل، وتذكر أنك في كل مرة تقوم فيها بنشر أحد صورك أو صور العائلة على مواقع التواصل الاجتماعي تكون بذلك ساعدت خوارزميات الذكاء الصنعي على تطوير مهاراتها الأمر الذي يتطلب منك مراعاة خصوصيتك بشكل أكبر.

مصدر interestingengineering csoonline