التعلم العميق (deep learning) وعلاقته بالذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة

عند الحركة السابعة لأحجار الشطرنج أصبحت النتائج شبه محسومة بين أفضل لاعب شطرنج في العالم ضد نظيره الآلي الكمبيوتر Deep Blue لتختتم المنافسة بفوز الحاسب الآلي على نظيره البشري كانت نتيجة صعبة التصديق أشعلت نظرية المؤامرة في العالم حيث وجه لاعب الشطرنج كسباروف أصابع الاتهام نحو الشركة المصنعة واتهمها بوجود تدخل بشري أثناء اللعبة “خاصة أن مصطلح التعلم العميق لم يكن له وجود في ذلك الوقت”.

لم يتوقف الأمر عند ذلك فبعد بضع أعوام أتى AlphaGo ليربح مباراة لعبة Go الصينية الأكثر تعقيداً على نظيره البشري، ليتفوق بذلك الحاسب الآلي على المقدرات البشرية مرة أخرى، كل تلك المباريات والحواسيب يقف وراءها الذكاء الاصطناعي بفرعيه تعلم الآلة والتعلم العميق تلك الآليات التي نسعى من خلالها لجعل الآلة تحاكي طريقة عمل الدماغ البشري فتصبح قادرة على تحليل المعطيات المتوفرة واتخاذ القرارات المناسبة بنفسها.

كسباروف في مواجهة حاسوب Deep blue في الشطرنج عام 1997

الكثير من الأحاديث التكنولوجية التي تدور مؤخراً باتت تتمحور حول ماهية الذكاء الاصطناعي وبعض المفاهيم المرتبطة به مثل التعلم العميق deep Learning ومدى قدرته على محاكاة دماغ الإنسان والقيام بأشياء مشابهة لآلية عمله كالتحليل والاستنتاج، لكن بالرغم من أهمية وانتشار الموضوع في الآونة الأخيرة إلا أنه لازالت هناك العديد من المصطلحات الغير مفهومة أو التي من الممكن أن يتم الخلط بينها وبين غيرها في مجال الذكاء الاصطناعي.

بالرغم من أن المصطلحات المذكورة تنطوي جميعها تحت مجال الذكاء الاصطناعي إلا أن لكل منها تعريف مختلف وآلية عمل مختلفة بعض الشيء، سنتعرف من خلال سلسلة مقالتنا القادمة حول ماهية الذكاء الاصطناعي وكل ما يتعلق به، مبتدئين في مقالنا التالي بالغوص في مجال التعلم العميق.

 

شرح التعلم العميق (Deep learning) وآلية عمله

نستطيع تعريف التعلم العميق deep learning بأبسط طريقة على أنه أحد آليات تعلم الآلة الذي نستطيع من خلاله منح القدرة للآلة على تحليل المشكلة والمعطيات المتوفرة لاتخاذ القرارات المناسبة بطريقة مشابهة لعملية اتخاذ القرارات في الدماغ البشري لكن من دون تدخل البشر.

حيث تقوم مجموعة من الخوارزميات التي تكون مرتبة على شكل طبقات لتشكل ما يسمى الشبكة العصبية الصنعية والذي استوحي اسمها بسبب تشابه طريقة عملها مع الخلايا العصبية في الدماغ البشرية، حيث تقوم كل طبقة (خوارزمية) بمهمة محددة، حيث يشير المصطلح “عميق” عادةً إلى عدد الطبقات المخفية في الشبكة العصبية، تحتوي الشبكات العصبية التقليدية على 2-3 طبقات مخفية فقط، بينما يمكن أن يصل عدد طبقات الشبكات العميقة إلى 150 طبقة.

رسم توضيحي عن الشبكات العصبية وطبقاتها في التعلم العميق

يتم تدريب الآليات التي تعتمد التعلم العميق باستخدام مجموعات كبيرة من البيانات المصنفة التي يتم تحليلها بواسطة الشبكات العصبية والتي تتعلم الميزات والخصائص مباشرة من خلال تحليل البيانات المدخلة دون الحاجة إلى استخراج الميزات يدويًا، حيث يتم تنظيم هذه الشبكات العصبية، في طبقات (خوارزميات)تتكون من مجموعة من العقد المترابطة، يمكن أن تحتوي الشبكات على عشرات أو مئات الطبقات المخفية.

تعد الشبكات العصبية التفافية (CNN) أحد |أكثر أنواع الشبكات العصبية العميقة شيوعاً، والتي تعمل على ربط الميزات المستخلصة من البيانات المدخلة حيث تستخدم تقنية الطبقات التفافية ثنائية الأبعاد 2D مما يجعلها مناسبة لتحليل البيانات ثنائية الأبعاد مثل الصور.

بفضل قدرة شبكات (CNN) على استخلاص المميزات من البيانات المدخلة بشكل آلي فإن التدخل البشري لا يعد جزء من عملية تحليل وتصنيف البيانات، حيث تكتسب هذه الخوارزميات القدرة هذه على تحليل البيانات من خلال التدريب على مجموعة من الصور مما يجعل عملية استخراج وتحليل البيانات هذه دقيقة للغاية، بالإضافة لتطورها لتصبح قادرة على تحليل واكتشاف أشكال وبيانات مدخلة أكثر تعقيداً مثل صور لبعض الكائنات نرغب بالتعرف عليها (سنقوم بإيضاح ذلك من خلال مثال في الفقرات التالية).

 

ما الفرق بين التعلم العميق وتعلم الآلة؟

عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي غالباً ما يتم الخلط بين مفهومي تعلم الآلة machine learning والتعلم العميق deep learning بالرغم من أن كلا المصطلحين يشيران إلى آليتين مختلفتين حيث يعتبر التعلم العميق أحد فروع تعلم الآلة أو مرحلة متقدمة منه وكلاهما يندرجان تحت مفهوم الذكاء الصنعي.

إعلان

بينما يتم تشكيل الشبكات في الحواسيب التي تعتمد التعلم العميق على شكل طبقات عديدة (خوارزميات) لكل طبقة مهمة معينة تقوم بها تجاه البيانات المدخلة حيث تقوم بتحليل البيانات وتصنيفها بشكل آلي دون التدخل البشري كما ذكرنا سابقاً على الجهة المقابلة تقوم آلية تعلم الآلة على الحاجة لإدخال البيانات المصنفة مسبقاً من قبل البشر.

والتي تعتمد عليها لتقوم بعملية إخراج النتائج لتقوم الخوارزميات بتعديل نفسها لتصبح أكثر قدرة في التعامل وتصنيف البيانات فيما بعد، لجعل الأمور تبدو جلية أكثر سنقوم بتوضيح المفهومين أكثر من خلال المثال التالي:

لنفترض أن لدينا مجموعة من صور القطط والكلاب نرغب في تصنيفها إلى مجموعتين وأردنا تصنيفها باستخدام تعلم الآلة، في هذه الحالة لتستطيع الخوارزميات تصنيف الصور يجب علينا إدخال بعض البيانات المنظمة التي تساعدها بتصنيفهم حيث سنقوم بعنونة الصور بطريقة تقوم بتعريف الخصائص الأساسية لكلا الحيوانين.

 حيث ستكون هذه البيانات كافية لخوارزميات (طبقات) تعلم الآلة وستقوم بإكمال العمل اعتماداً على البيانات المدخلة لتصبح بعدها قادرة على تصنيف ملايين صور الكلاب والقطط الأخرى بالاعتماد على الخصائص التي تعلمتها.

الفرق بين التعلم العميق و تعلم الآلة

أما بالنسبة للتعلم العميق فإن خوارزمياتها تتخذ منهج مختلف لحل هذه القضية حيث أن الميزة الأساسية للتعلم العميق كما ورد ذكره سابقاً بأنها ليست بالضرورة بحاجة إلى بيانات منظمة أو عناوين للصور مدخلة يدوياً لتقوم بتصنيفها، حيث يتم إرسال المدخلات (بيانات الصور) عبر طبقات مختلفة من الشبكة العصبية العميقة ومع كل طبقة من طبقات هذه الشبكة يتم تحديد ميزة محددة من الصور، بعد مرور البيانات عبر الطبقات العميقة من الشبكة سيكون النظام حصل على التعريفات المناسبة لتصنيف كلا الحيوانين من خلال صورهم.

 

إذاً نستطيع القول بأن التعلم العميق هو الأفضل!

في الحقيقة لا نستطيع عمل مقارنة على هذا الأساس حيث أن التقييم يختلف باختلاف دوافع الاستخدام وطبيعة متطلباتنا وحجم ودرجة تعقيد ونوع المشكلة المطلوب حلها العتاد المتوافر، بالاعتماد على المثال المذكور سابقاً نرى بأن هذه التقنية قادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات من غير الحاجة لوجود بيانات معنونة ومصنفة مدخلة يدوياً من قبل البشر بالرغم بأنها ميزة رائعة إلا أنه يتطلب كمية بيانات كبيرة جداً لتطوير خوارزمياته.

بالإضافة لأنه بحاجة لمعالج رسوميات GPUs ذي نوعية جيدة وقدرة عالية لمعالجة الكميات الكبيرة من البيانات المدخلة بسرعة وفاعلية، لذا بالرغم من أن التعلم العميق سيعطي نتائج أكثر دقة ودون الحاجة لتدخل البشر إلا أنك بحاجة لتدريب خوارزمياته من خلال تزويده بكميات هائلة من الصور بالإضافة لوجود معالج الرسوميات ذي القدرة العالية.

 إذا لم تستطيع توفير هذه المتطلبات فمن المنطقي اللجوء إلى تعلم الآلة خاصة إذا كانت المشكلات المراد حلها بسيطة فلا داعي عندها لاستهلاك موارد وإمكانيات كبيرة كتلك المطلوبة في التعلم العميق، بالمقابل لا تصلح خوارزميات تعلم الآلة لحل المشاكل الأكثر تعقيداً لما تتطلبه من بيانات معنونة من الممكن أن نكون غير قادرين على توفيرها.

 

بعض الأمثلة العملية عن التعلم العميق

  • الترجمات الآلية: بالرغم من وجود الترجمات الآلية قبل اختراع التعلم العميق لكن باختراعه أصبحت الترجمة الآلية أكثر دقة ومضمونة أكثر من السابق بالإضافة إلى أنه ساعد في ترجمة الكتابة على الصور حيث لم تكن هذه التقنية متوفرة قبل التعلم العميق.
  • تحليل الصور وعنونتها: ذكرنا في مثال سابق قدرة ال Deep learning على تحليل الصور وعنونتها من دون تدخل بشري – تذكر ذلك في كل مرة تقوم بنشر صورة جماعية على فيسبوك ليقوم بتحديد وجوه الأشخاص بالصورة واقتراح ذكرهم-
  • السيارات ذاتية القيادة: يقوم عمل السيارات ذاتية القيادة على تحسس واستشعار المحيط ثم تحليل هذه البيانات المدخلة لاتخاذ القرارات المناسبة في القيادة بالإضافة لتزويدها بالخرائط ونظام تحديد مواقع، حتى أن هناك بعض الدراسات التي تشير إلى أنه من الممكن أن تكون السيارات ذاتية القيادة سبب في تقليل حوادث السير ذات المسببات الشائعة كالسرعة والتشتت لكنها لازالت ضمن طور الاختبار والتطوير لدراسة جميع الاحتمالات الممكن المرور بها أثناء القيادة لبرمجتها بالشكل الأمثل.

 

بالقدر الذي يبدو فيه التعلم العميق مجالاً جذاباً إلا أنه يحمل معه قدراً من الرعب عند الخوض في تفاصيله على سبيل المثال الفيديوهات التي انتشرت مؤخراً تحت اسم التزييف العميق حيث أصبح بالإمكان إنتاج فيديوهات مزيفة ومزورة بكل سهولة باستخدام تطبيق وهذا يلغي إمكانية اعتبار الفيديو دليل موثوق، فها هو أول الغيث وما زلنا نترقب مستقبل البشرية في ظل هذه التقنيات.

مصدر mathworks
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد