الواقع المعزز (Augmented reality): عندما تتحول أفكار الخيال العلمي إلى عوالم رقمية تفاعلية

مصدر الصورة: plugxr

تسارع تقني وثورة معلوماتية دفعت العالم لإعادة تشكيل ملامحه معتمداً على الإنترنت والتراكم المعرفي التكنولوجي الهائل وأوراق بحثية كانت أشبه بخيال علمي في تلك الفترة، لتشكل بوابة إلى عوالم موازية تحمل صبغة رقمية تفاعلية، أطلق على العوالم الموازية تلك الواقع المعزز (Augmented reality)، متيحاً تجربة فريدة للتواجد في نفس المحيط مع كائنات وعناصر لا وجود لها فعلياً.

وليس كأكثر من أفكار خيالٍ علمي كانت البداية لفكرة أشبه بالواقع المعزز في رواية منذ مطلع القرن العشرين تحمل في طياتها أفكار عن نظارات إلكترونية تبث بعض البيانات لمرتديها، لم يكن لتلك الفكرة حينها الصدى ذاته الذي شكله أحد أبطال مارفل بخوذته الذكية في فيلم (آيرون مان)، على الرغم من ذلك لم تتجاوز الضجة المثارة آنذاك أبعاد المشاهد السينمائية، في وقت كانت تعمل فيه الشركات على تحويل الخيال إلى حقيقة. 

 

ما هي تقنية الواقع المعزز (Augmented reality)؟

هي عبارة عن بيئة تفاعلية مضافة إلى البيئة الواقعية يتم إنشاؤها رقمياً باستخدام الكمبيوتر، حيث يتم ربط البيئة التفاعلية تلك مع الكائنات الموجودة في العالم الحقيقي من خلال المعلومات الإدراكية أو من خلال طرق حسية متعددة.

 

نظرة موجزة لبداية ظهور الواقع المعزز

The Sword of Damocles

كانت المرة الأولى التي تم فيها ذكر مصطلح “الواقع المعزز” في عام 1990 من خلال الإعلانات التلفزيونية والعسكرية وأنظمة الملاحة، تاريخ ٌ طويل مرت به تلك التقنية قبل أن يتبلور المفهوم الذي نعرفه اليوم عنها، ومحاولات متكررة سبقت ظهور المصطلح ذاته نستطيع اعتبارها الخطوة الأولى في مشوار الألف ميل.

 بشاشة عرض غير مريحة أشبه بالخوذة مثبتة على رأس المستخدم ومعلقة من السقف تعرض رسومات رديئة مقارنةً بما نشهده اليوم، كان التنفيذ الفعلي لأول جهاز يعمل بتقنية الواقع المعزز أطلق عليه اسم “The Sword of Damocles”  حظي حينها الجهاز باهتمام كبير، كيف لا وهو الخطوة العملية الأولى لتطبيق ما كان يعتبر محض خيال.

إعلان

لم يتوقف الأمر عند ذلك الجهاز حيث تبعه اختراع نظارات Eye Tap والتي عرفت بنظارات الكمبيوتر المحمولة، ثم تلاها ظهور مشروع Videoplace الذي جمع بين نظام عرض وكاميرات فيديو أنتجت ظلالاً على الشاشة تشعر المستخدم كما لو أنه في بيئة تفاعلية، دفع كل ذلك لتعزيز مفهوم تلك التقنية وظهور مصطلح الواقع المعزز.

تجاوزت التقنية حدودها ودخلت عالم الفن ليتم عرض أول مسرحية راقصة بعنوان “الرقص في الفضاء الإلكتروني” يتمايل الراقصون فيها حول وداخل أشكال رقمية افتراضية، توالت القفزات التقنية ليصبح الواقع المعزز أكثر حداثة مع بداية القرن الواحد والعشرين، وتدخل الشركات مضمار السباق لإنتاج عتاد وبرمجيات تتناسب مع العصر. 

 

آلية عمل تقنية الواقع المعزز

تعمل التقنية على دمج العناصر الرقمية التفاعلية مع تفاصيل الواقع المادي، حيث يتم رصد المحيط من خلال الكاميرا ومن ثم تحليل المكان والعناصر الموجودة، تعالج هذه المعلومات ثم يتم إضافة العناصر التفاعلية لجعلها تبدو وكأنها جزء من الواقع، بإمكان المستخدم التفاعل مع هذه العناصر في الوقت الفعلي مع إمكانية تغييرها ليتهيأ لك وكأنك تتحكم بمحيطك.

إعلان

مراحل الوصول إلى صورة الواقع المعزز

للوصول إلى الصورة النهائية التي تدمج ما بين العالم المادي والعناصر الرقمية، يتم الاعتماد فيها على العتاد المادي المتعلق بالتجهيزات إضافة إلى معالجة برمجية للصور المُشكلة للنتيجة النهائية في الواقع المعزز.

الكاميرا والحساسات: أحد أهم الأجزاء التي يمكننا اعتبارها كنقطة وصل بين ما هو مادي لإضفاء العناصر الرقمية، تقوم الكاميرات والحساسات برصد المحيط مع تحديد المكان وتحديد العناصر المحيطة لتنتقل إلى المرحلة التالية.

المعالجات: بعد رصد المحيط وتحديد العناصر تبدأ مرحلة معالجة البيانات المدخلة عبر الكاميرا وتحديد الكائنات الموجودة في الصورة الممسوحة وتحديد مكان توضعها.

سطح الإسقاط: من الممكن أن يكون السطح أي شيء جدار أو يد أو طاولة، يعتمد ذلك بشكل كلي على نوع الواقع المعزز المستخدم حيث يلعب ذلك دوراً كبيراً في اختيار السطح المناسب، على سبيل المثال إذا أردت استعراض أحد الخرائط المتعلقة بالنجوم فأنت بحاجة لتوجيه الكاميرا نحو السماء، أما في حال أردت استعراض كيف تبدو أركية في مساحة معينة من غرفة الضيوف لديك فيجب عليك توجيه الكاميرا إلى تلك المساحة، ليتم عندها دمج العناصر الرقمية مع المحيط الواقعي لتظهر على الشاشة أمامك وكأنها جزء مترابط وإضافات حقيقة.

 

أنواع الواقع المعزز

الإسقاط (Projection based AR): يتم في هذا النوع والذي يعتبر من أكثر أنواع الواقع المعزز شيوعاً إسقاط صورة رقمية على الواقع المادي، كإسقاط لوحة مفاتيح على أحد الأسطح، أو يتيح لك إمكانية اختبار مدى مناسبة إحدى قطع الأثاث لمساحة ما من منزلك بإسقاط صورة رقمية لقطعة الأثاث ضمن موقع ما.

التعرف على الأشكال ( Recognition based AR): لفهم هذا النوع بشكل مبسط نستطيع ذكر ترجمة الصور في جوجل، حيث يتم مسح الصورة وتحديد الكتابة بلغة ما عليها ومن ثم استبدالها بصورة افتراضية اخرى تحمل الترجمة إلى اللغة المختارة.

 التعرف على المواقع ( Location based AR): يعتمد هذا النوع على تقنية GPS لتحديد المواقع ويمكنك من التعرف على الأماكن واكتشافها وذلك برسم خريطة تعريفية لمكان تزوره لأول مرة، أحد الشوارع على سبيل المثال بعد توجيه الكاميرا ليتم مسح المكان والتعرف عليه ومن ثم تقديم المعلومات المطلوبة. 

 المخطط (Outlining AR): تساعد هذه التقنية بتجاوز العقبات التي نواجهها كبشر في ظروف الرؤية الصعبة في الظلام على سبيل المثال، لنفترض أن ترغب بركن سيارتك في الظلام ستساعدك هذه التقنية على رسم حدود الطريق وإيضاحها لكنك هنا بحاجة كاميرات خاصة تمكنك من التعرف بشكل واضح على معالم الطريق، قد يبدو الأمر مشابهاً لتقنية الإسقاط من حيث دمج عناصر رقمية مع الواقع إلا أن الآلية والغاية مختلفتين.

 التراكب(Superimposition based AR): يتم التعرف على الكائنات عبر عدسة الكاميرا ليتم استبدالها بكائن رقمي افتراضي على سبيل المثال  في الطب، يمكن للطبيب استخدام هذه التقنية لتركيب عرض بالأشعة السينية لعظم ذراع المريض المكسور على صورة حقيقية لتوفير فهم واضح لتلف العظام في الواقع.

 

الواقع المعزز وانخراطه في المنتجات التقنية

الهواتف الذكية: أصبحت شركات الموبايلات مؤخراً تتسابق لدمج تقنية الواقع المعزز في هواتفها وتقديم تطبيقات تدعم التقنية وتمكن المستخدم من تجربتها في مجالات مختلفة، نستطيع ذكر تقنية 3D Scanner  في هواتف + 10 Note والتي تعمل على مسح عناصر حقيقية وتحويلها إلى نسخة رقمية ثم دمجها في الواقع.

النظارات: كان الإصدار الأول من نظارات جوجل للواقع المعزز فاشلاً لم يقبل المستخدمون على شراء تلك النظارات وذلك بسبب سعرها العالي وجهل الناس لماهية الواقع المعزز بالإضافة لأنه يمكن التغاضي عن استخدام النظارات باستخدام الموبايلات كونها تدعم تقنية الواقع المعزز، لم تكن جوجل هي الوحيد في إصدار النظارات بل أقدمت عدة شركات أخرى على تلك الخطوة ومن بينها مايكروسوفت.

شاشات العرض HUD:  كانت الاستخدامات الأولى لهذه الشاشات بهدف التدريب على الطيران حيث تعرض أمام الطيارين عناصر افتراضية توحي بأنهم يقومون بالتحليق بشكل فعلي، أما حالياً بالنسبة لنا كمستخدمين عاديي على الأغلب إذا كنت من مرتادي صالات الألعاب الإلكترونية قد رأيت شاشة العرض هذه التي تعرض لك اللعبة من منظور يشعرك وكأنك في داخل اللعبة، على سبيل المثال التحكم بقيادة سيارة من خلف المقود سيتم عرض الطريق أمامك بالإضافة إلى لوحة القيادة وكأنك تجلس وراء المقود بالفعل.

 العدسات اللاصقة: لازال الحديث عن العدسات اللاصقة مبكرة قليلاً حيث وحتى وقتنا الراهن لم يتم إصدار أي عدسات لاصقة تدعم الواقع المعزز بينما تم الإعلان من قبل العديد من الشركات عن العمل على إنتاج هذه العدسات.

 

تطبيقات عملية لتقنية الواقع المعزز

تطبيق L’Oréal Makeup

بالرغم من أن هذه التقنية لازالت في طور التقدم إلا أنها دخلت في العديد من المجالات وسهلت العديد من الأعمال، فأصبحت جزءً من التدريبات الطبية للأطباء وخير مساعد في التصميمات المعمارية للمهندسين، وأصبحت أداة جيدة وخير دليل بالنسبة للسياح من خلال  التطبيقات على الموبايلات، وغيرها الكثير من المجالات التي بدأ الواقع المعزز بالدخول لها والتحسين من واقعها، سآتي على ذكر بعض من تلك التطبيقات العملية:

كتب ديزني الملونة: ابتكرت ديزني قبل مدة كتب ملونة للأطفال تمكنهم من رؤية شخصياتهم المفضلة بشكل ثلاثي الأبعاد باستخدام الموبايل أو أي جهاز لوحي يتم توجيه الكاميرا إلى الرسومات على الكتاب ليتم عرضها على شكل مجسمات.

تطبيق L’Oréal Makeup: ابتكرت شركة المكياج العالمية لوريال تطبيقاً خاصاً بها يتيح للمستخدمين تجربة المكياج على وجوههم بفضل تقنية الواقع المعزز، لا يختلف التطبيق كثيراً عن استخدام سناب شات وغيره من تطبيقات تغيير الوجوه.

التأثيرات في استديو Weather Channel: استخدم استديو قناة الطقس بعض التأثيرات باستخدام تقنية الواقع المعزز لبث النشرة الجوية، كالإيحاء بوجود عاصفة في الاستديو، أو عرض خطر سير السيارات على الجليد بإقحام صورة رقمية لسيارة تسير على الجليد ضمن الاستديو. 

 

سلبيات تقنية الواقع المعزز

أذية جسدية : من غير المتوقع أن يتبادر للأذهان حصول أذيات جسدية بسبب استخدام تقنية الواقع المعزز، لكن الأمر مختلف في الحقيقة  نستطيع أن نأخذ لعبة بوكيمون التي تعتمد على تقنية الواقع المعزز كمثال حيث انتشرت كالنار بالهشيم  وحصلت بسببها العديد من الأذيات للاعبيها وذلك حين تتبعهم للبوكيمونات بهدف التقاطهم، وحتى من المتوقع حصول بلبلة في الأمن العام على سبيل المثال تم تتبع أحد مدمني اللعبة بسبب توقفه المتكرر بسيارته مما أدى لإثارة الشكوك حوله ليتبين للشرطة في نهاية المطاف أن السائق كان يلاحق أحد البوكيمونات.

انتهاك الخصوصية: ضرورة الوصول إلى الكاميرا التي يتطلبها استخدام التقنية في كل مرة من الممكن أن يهدد الخصوصية للأفراد، خاصة أن المساحات التي يتم تغطيتها بالكاميرا من الممكن أن تكون في منزل وأماكن كثيرة غير متوقعة ما يعطي المخترقين إمكانية الوصول لكميات بيانات هائلة.

 

كيف استفادت الشركات من تقنية الواقع المعزز

يمثل كل اختراع أو اكتشاف دعامة إضافية تمهد الطريق لغيرها من الاختراعات، فمع ظهور شبكات الجيل الخامس وازدياد سرعة الإنترنت بالإضافة إلى التقدم التقني المستمر أُفسِحَ المجال أمام نمو تقنية الواقع المعزز في عالم الهواتف الذكية، بالإضافة إلى مجالات أخرى ساعدت أصحاب العمل على تحسين خدماتهم المقدمة للعملاء بإضفاء تجارب تخيلية شبه واقعية لخدماتهم.

جائحة كورونا هي الأخرى أعطت زخماً غير متوقع في تسريع عجلة تطور العديد من التقنيات، الواقع المعزز ناله النصيب من ذلك التطور حيث كان خير أداة لتطبيق إرشادات منظمة الصحة العالمية بما يخص قواعد التباعد الاجتماعي، استغلت بعض تلك الشركات الواقع المعزز لتسيير أعمالها بالرغم من الجائحة.

 

الواقع المعزز كأداة لتطبيق التباعد الاجتماعي

أداة جوجل sodar

 آمازون كانت إحداها، حيث دفع خوف بيزوس من فقدان البعض من ثروته على إرغام موظفيه على متابعة العمل بالرغم من فرض الحجر المنزلي فما كان منه إلا اللجوء لإنشاء نظام يعتمد على تقنية الواقع المعزز  يقوم بتحديد دوائر قطرها مترين -حسب توصيات منظمة الصحة العالمية- باللون الأخضر تحيط بكل موظف ضمن الشركة لمساعدة الموظفين على التقيد بالتباعد الاجتماعي تتلون تلك الدوائر باللون الأحمر منبهةً الموظفين عند التعدي على مساحات بعضهم أو الاقتراب إلى أحدهم أكثر من اللازم وتعرض بواسطة شاشات داخل الشركة. 

بيمنا عمدت شركات أخرى على إصدار أدوات كأداة جوجل sodar وفلاتر كتلك التي تم استخدامها في تطبيق سناب شات تنبه المستخدمين بالالتزام بمسافة التباعد الاجتماعي الموصى بها، عند تنقلك من مكان إلى آخر، تحتاج لتشغيل الكاميرا بشكل دائم ليرتسم لك داخل التطبيق أو الأداة خطوط بينك وبين جميع الأشخاص الذين تصادفهم تحدد لك المسافة التي لا يسمح لك بتجاوزها. 

بالرغم من دخوله في العديد من المجالات والبدء بالاعتماد عليه في الكثير من الأعمال خاصةً بعد الصدمة التي تلقاها العالم إثر الفايروس المستجد، لازال الواقع المعزز يحبو كالطفل في أشهره الأولى والكثير من التحديات تنتظره في طريقه، أما بالنسبة للمستخدم العادي لم يتجاوز كونه أداة ترفيه، وتقنية ستضفي الكثير من المتعة على المعارض والمؤتمرات التكنولوجية كنتيجة لما يولده التطور التسويقي الناتج عن التنافس  بين الشركات.